محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أريد أن أفارق صاحبتي ، قال : " مالك ، أرابك منها شيء ؟ " قال : لا ، والله ما رابني منها شيء يا رسول الله ، ولا رأيت إلا خيرا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسك عليك زوجك واتق الله " ، فذلك قول الله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها . حدثني محمد بن موسى الجرشي ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أبي حمزة ، قال : نزلت هذه الآية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ في زينب بنت جحش . حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن علي بن حسين ، قال : كان الله تبارك وتعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه ، فلما أتاه زيد يشكوها قال : اتق الله وأمسك عليك زوجك ، قال الله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ . حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن عائشة ، قالت : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ . وقوله : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها يقول تعالى ذكره : فلما قضى زيد بن حارثة من زينب حاجته ، وهي الوطر ؛ ومنه قول الشاعر : ودعني قبل أن أودعه * لما قضى من شبابنا وطرا زَوَّجْناكَها يقول : زوجناك زينب بعد ما طلقها زيد وبانت منه لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ يعني : في نكاح نساء من تبنوا وليسوا ببنيهم ولا أولادهم على صحة إذا هم طلقوهن وبن منهم إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً يقول : إذا قضوا منهن حاجاتهم ، وآرابهم وفارقوهن وحللن لغيرهم ، ولم يكن ذلك نزولا منهم لهم عنهن وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا يقول : وكان ما قضى الله من قضاء مفعولا : أي كائنا كان لا محالة . وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ماضيا مفعولا كائنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً يقول : إذا طلقوهن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبني زيد بن حارثة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً إلى قوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إذا كان ذلك منه غير نازل لك ، فذلك قول الله : وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ حدثني محمد بن عثمان الواسطي ، قال : ثنا جعفر بن عون ، عن المعلى بن عرفان ، عن محمد بن عبد الله بن جحش ، قال : تفاخرت عائشة وزينب ، قال : فقالت زينب : أنا الذي نزل تزويجي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : كانت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن . إن جدي وجدك واحد ، وإني أنكحنيك الله من السماء ، وإن السفير لجبرائيل عليه السلام . القول في تأويل قوله تعالى : ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ . . . مِنْ قَبْلُ . . . مَقْدُوراً يقول تعالى ذكره : ما كان على النبي من حرج من إثم فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي أحل الله له . وقوله : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ